كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقوله: {فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها (72)}.
يقال: إنه ضرب بالفخذ اليمنى، وبعضهم يقول: ضرب بالذّنب.
ثم قال اللّه عزّ وجلّ: {كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى} معناه واللّه أعلم اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها فيحيا كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى أي اعتبروا ولا تجحدوا بالبعث، وأضمر فيحيا، كما قال: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} والمعنى- واللّه أعلم- فضرب البحر فانفلق.
وقوله: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ (73)}.
تذكير مِنْهُ على وجهين إن شئت ذهبت به- يعنى: {مِنْهُ}- إلى أن البعض حجر، وذلك مذكر، وإن شئت جعلت البعض جمعا في المعنى فذكّرته بتذكير بعض، كما تقول للنسوة: ضربنى بعضكنّ، وإن شئت أنثته هاهنا بتأنيث المعنى كما قرأت القرّاء: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ} {ومن تقنت} بالياء والتاء، على المعنى، وهى في قراءة أبىّ: «وإنّ من الحجارة لما يتفجّر منها الأنهار».
وقوله: {لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ (78)}.
فالأمانىّ على وجهين في المعنى، ووجهين في العربية فأما في العربية فإنّ من العرب من يخفّف الياء فيقول: {إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ} ومنهم من يشدّد، وهو أجود الوجهين.
وكذلك ما كان مثل أمنيّة، ومثل أضحيّة، وأغنيّة، ففى جمعه وجهان: التخفيف والتشديد، وإنما تشدّد لأنك تريد الأفاعيل، فتكون مشدّدة لاجتماع الياء من جمع الفعل والياء الأصلية. وإن خفّفت حذفت ياء الجمع فخففت الياء الأصلية، وهو كما يقال: القراقير والقراقر، فمن قال الأمانى بالتخفيف فهو الذي يقول القراقر، ومن شدّد الأمانى فهو الذي يقول القراقير. والأمنيّة في المعنى التلاوة، كقول اللّه عزّ وجلّ: {إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} أي في تلاوته، والأمانىّ أيضا أن يفتعل الرجل الأحاديث المفتعلة قال بعض العرب لابن دأب وهو يحدّث الناس: أهذا شيء رويته أم شيء تمنّيته؟ يريد افتعلته، وكانت أحاديث يسمعونها من كبرائهم ليست من كتاب اللّه. وهذا أبين الوجهين.
وقوله: {إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً (80)}.
يقال: كيف جاز في الكلام: لآتينك أياما معدودة، ولم يبين عددها؟ وذلك أنهم نووا الأيام التي عبدوا فيها العجل، فقالوا: لن نعذّب في النار إلا تلك الأربعين الليلة التي عبدنا فيها العجل. فقالوا: لن نعذّب في النار إلا تلك الأربعين الليلة التي عبدنا فيها العجل. فلما كان معناها مؤقّتا معلوما عندهم وصفوه بمعدودة ومعدودات، فقال اللّه: قل يا محمد: هل عندكم من اللّه عهد بهذا الذي قلتم أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ (76)} هذا من قول اليهود لبعضهم أي لا تحدّثوا المسلمين بأنكم تجدون صفة محمد صلى اللّه عليه وسلّم في التوراة وأنتم لا تؤمنون به، فتكون لهم الحجة عليكم. أَفَلا تَعْقِلُونَ قال الله: {أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ} هذا جوابهم من قول اللّه.
وقوله: {وَهُوَ مُحَرَّم عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ (85)}.
إن شئت جعلت هُوَ كناية عن الإخراج {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ} أي وهو محرّم عليكم يريد: إخراجهم محرّم عليكم، ثم أعاد الإخراج مرة أخرى تكريرا على: {هُوَ} لمّا حال بين الإخراج وبين: {هُوَ} كلام، فكان رفع الإخراج بالتكرير على: {هُوَ} وإن شئت جعلت: {هُوَ} عمادا ورفعت الإخراج بمحرم كما قال اللّه جل وعزّ: {وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ} فالمعنى- واللّه أعلم- ليس بمزحزحه من العذاب التّعمير فإن قلت: إن العرب إنما تجعل العماد في الظّنّ لأنّه ناصب، وفى كان وليس لأنهما يرفعان، وفى إن وأخواتها لأنهن ينصبن، ولا ينبغى للواو وهى لا تنصب ولا ترفع ولا تخفض أن يكون لها عماد، قلت: لم يوضع العماد على أن يكون لنصب أو لرفع أو لخفض، إنما وضع في كل موضع يبتدأ فيه بالاسم قبل الفعل، فإذا رأيت الواو في موضع تطلب الاسم دون الفعل صلح في ذلك العماد كقولك: أتيت زيدا وأبوه قائم، فقبيح أن تقول: أتيت زيدا وقائم أبوه، وأتيت زيدا ويقوم أبوه لأنّ الواو تطلب الأب، فلما بدأت بالفعل وإنما تطلب الواو الاسم أدخلوا لها هو لأنّه اسم. قال الفرّاء: سمعت بعض العرب يقول:
كان مرّة وهو ينفع النّاس أحسابهم. وأنشدنى بعض العرب:
فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيته ** على العيس في آباطها عرق يبس

بأنّ السّلامىّ الذي بضريّة أميـ ** ـر الحمى قد باع حقّى بنى عبس

بثوب ودينار وشاة ودرهم ** فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس

فجعل مع هل العماد وهى لا ترفع ولا تنصب لأن هل تطلب الأسماء أكثر من طلبها فاعلا قال: وكذلك ما وأما، تقول: ما هو بذاهب أحد، وأمّا هو فذاهب زيد، لقبح أمّا ذاهب فزيد.
وقوله: {بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً (81)}.
وضعت بَلى لكل إقرار في أوّله جحد، ووضعت نعم للاستفهام الذي لا جحد فيه، ف: {بَلى} بمنزلة نعم إلا أنها لا تكون إلّا لما في أوّله جحد قال اللّه تبارك وتعالى: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ} ف: {بَلى} لا تصلح في هذا الموضع. وأما الجحد فقوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِير} ولا تصلح هاهنا نعم أداة وذلك أن الاستفهام يحتاج إلى جواب بنعم ولا ما لم يكن فيه جحد، فإذا دخل الجحد في الاستفهام لم يستقم أن تقول فيه نعم فتكون كأنك مقرّ بالجحد وبالفعل الذي بعده ألا ترى أنّك لو قلت لقائل قال لك: أما لك مال؟ فلو قلت نعم كنت مقرّا بالكلمة بطرح الاستفهام وحده، كأنك قلت نعم مالى مال، فأرادوا أن يرجعوا عن الجحد ويقرّوا بما بعده فاختاروا: {بَلى} لأنّ أصلها كان رجوعا محضا عن الجحد إذا قالوا: ما قال عبد اللّه بل زيد، فكانت بل كلمة عطف ورجوع لا يصلح الوقوف عليها، فزادوا فيها ألفا يصلح فيها الوقوف عليه، ويكون رجوعا عن الجحد فقط، وإقرارا بالفعل الذي بعد الجحد، فقالوا: بَلى، فدلّت على معنى الإقرار والإنعام، ودل لفظ بل على الرجوع عن الجحد فقط.
وقوله: {وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (83)}.
رفعت {تَعْبُدُونَ} لأنّ دخول أن يصلح فيها، فلمّا حذف الناصب رفعت، كما قال الله: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} قرأ الآية وكما قال: {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} وفى قراءة عبد اللّه: {ولا تمنن أن تستكثر} فهذا وجه من الرفع، فلما لم تأت بالناصب رفعت. وفى قراءة أبىّ: {وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل لا تعبدوا} ومعناها الجزم بالنهى، وليست بجواب لليمين. ألا ترى أنه قد قال: {وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ} فأمروا، والأمر لا يكون جوابا لليمين لا يكون في الكلام أن تقول: واللّه قم، ولا أن تقول: واللّه لا تقم. ويدلّ على أنه نهى وجزم أنه قال: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا كما تقول: افعلوا ولا تفعلوا، أو لا تفعلوا وافعلوا. وإن شئت جعلت: {لا تَعْبُدُونَ} جوابا لليمين لأنّ أخذ الميثاق يمين، فتقول: لا يعبدون، ولا تعبدون، والمعنى واحد. وإنّما جاز أن تقول لا يعبدون ولا تعبدون وهم غيّب كما قال: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سيغلبون} و: {سَتُغْلَبُونَ} بالياء والتاء: {سيغلبون} بالياء على لفظ الغيب، والتّاء على المعنى لأنّه إذا أتاهم أو لقيهم صاروا مخاطبين. وكذلك قولك: استحلفت عبد اللّه ليقومنّ لغيبته، واستحلفته لتقومنّ لأنى قد كنت خاطبته. ويجوز في هذا استحلفت عبد اللّه لأقومنّ أي قلت له: احلف لأقومنّ، كقولك: قل لأقومنّ. فإذا قلت: استحلفت فأوقعت فعلك على مستحلف جاز فعله أن يكون بالياء والتاء والألف، وإذا كان هو حالفا وليس معه مستحلف كان بالياء وبالألف ولم يكن بالتاء من ذلك حلف عبد اللّه ليقومنّ فلم يقم، وحلف عبد اللّه لأقومنّ لأنّه كقولك قال لأقومنّ، ولم يجز بالتّاء لأنّه لا يكون مخاطبا لنفسه لأنّ التاء لا تكون إلّا لرجل تخاطبه، فلما لم يكن مستحلف سقط الخطاب.
وقوله: {قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} فيها ثلاثة أوجه: {لتبيّتنّه} و: {ليبيّتنّه} و: {لَنُبَيِّتَنَّهُ} بالتاء والياء والنون. إذا جعلت: {تَقاسَمُوا} على وجه فعلوا، فإذا جعلتها في موضع جزم قلت: تقاسموا لتبيتنه ولنبيتنه، ولم يجز بالياء، ألا ترى أنّك تقول للرجل: أحلف لتقومنّ، أو احلف لأقومنّ، كما تقول: قل لأقومنّ. ولا يجوز أن تقول للرّجل احلف ليقومنّ، فيصير كأنّه لآخر، فهذا ما في اليمين.
وقوله: {وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتاب مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّق (89)} إن شئت رفعت المصدّق ونويت أن يكون نعتا للكتاب لأنّه نكرة، ولو نصبته على أن تجعل المصدّق فعلا للكتاب لكان صوابا. وفى قراءة عبد اللّه في آل عمران: {ثمّ جاءكم رسول مصدّقا} فجعله فعلا. وإذا كانت النكرة قد وصلت بشيء سوى نعتها ثم جاء النّعت، فالنّصب على الفعل أمكن منه إذا كانت نكرة غير موصولة، وذلك لأنّ صلة النكرة تصير كالموقّتة لها، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجل في دارك، أو بعبد لك في دارك، فكأنّك قلت: بعبدك أو بساس دابّتك، فقس على هذا وقد قال بعض الشعراء:
لو كان حىّ ناجيا لنجا ** من يومه المزلّم الأعصم

فنصب ولم يصل النّكرة بشيء وهو جائز. فأما قوله: {وَهذا كِتاب مُصَدِّق لِسانًا عَرَبِيًّا} فإنّ نصب اللّسان على وجهين أحدهما أن تضمر شيئا يقع عليه المصدّق، كأنك قلت: وهذا يصدّق التوراة والإنجيل: {لِسانًا عَرَبِيًّا} لأنّ التوراة والإنجيل لم يكونا عربيّين فصار اللسان العربي مفسّرا. وأما الوجه الآخر فعلى ما فسّرت لك، لما وصلت الكتاب بالمصدّق أخرجت: {لسانا} ممّا في: {مصدّق} من الرّاجع من ذكره. ولو كان اللّسان مرفوعا لكان صوابا على أنه نعت وإن طال.
وقوله: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ (90)}.
معناه- واللّه أعلم- باعوا به أنفسهم. وللعرب في شروا واشتروا مذهبان، فالأكثر منهما أن يكون شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربّما جعلوهما جميعا في معنى باعوا، وكذلك البيع يقال: بعت الثوب. على معنى أخرجته من يدى، وبعته: اشتريته، وهذه اللّغة في تميم وربيعة. سمعت أبا ثروان يقول لرجل: بع لى تمرا بدرهم. يريد اشتر لى وأنشدنى بعض ربيعة:
ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ** بتاتا ولم تضرب له وقت موعد

على معنى لم تشتر له بتاتا قال الفرّاء: والبتات الزاد.
وقوله: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا}.
{أن يكفروا} في موضع خفض ورفع فأما الخفض فأن تردّه على الهاء التي في: {به} على التكرير على كلامين كأنّك قلت اشتروا أنفسهم بالكفر. وأما الرفع فأن يكون مكرورا أيضا على موضع: {ما} التي تلى: {بئس}.
ولا يجوز أن يكون رفعا على قولك بئس الرجل عبد اللّه، وكان الكسائىّ يقول ذلك قال الفراء: وبئس لا يليها مرفوع موقّت ولا منصوب موقّت، ولها وجهان فإذا وصلتها بنكرة قد تكون معرفة بحدوث ألف ولام فيها نصبت تلك النكرة، كقولك: بئس رجلا عمرو، ونعم رجلا عمرو، وإذا أوليتها معرفة فلتكن غير موقّتة، في سبيل النكرة، ألا ترى أنك ترفع فتقول: نعم الرجل عمرو، وبئس الرجل عمرو، فإن أضفت النكرة إلى نكرة رفعت ونصبت، كقولك: نعم غلام سفر زيد، وغلام سفر زيد وإن أضفت إلى المعرفة شيئا رفعت، فقلت: نعم سائس الخيل زيد، ولا يجوز النّصب إلا أن يضطرّ إليه شاعر، لأنهم حين أضافوا إلى النكرة رفعوا، فهم إذا أضافوا إلى المعرفة أحرى ألّا ينصبوا. وإذا أوليت نعم وبئس من النكرات ما لا يكون معرفة مثل: {مثل} و: {أى} كان الكلام فاسدا خطأ أن تقول: نعم مثلك زيد، ونعم أىّ رجل زيد لأن هذين لا يكونان مفسّرين، ألا ترى أنك لا تقول: للّه درّك من أىّ رجل، كما تقول: للّه درّك من رجل، ولا يصلح أن تولى نعم وبئس: {الذى} ولا: {من} ولا: {ما} إلا أن تنوى بهما الاكتفاء دون أن يأتى بعد ذلك اسم مرفوع. من ذلك قولك: بئسما صنعت، فهذه مكتفية، وساء ما صنعت. ولا يجوز ساء ما صنيعك. وقد أجازه الكسائي في كتابه على هذا المذهب. قال الفراء: ولا نعرف ما جهته، وقال: أرادت العرب أن تجعل: {ما} بمنزلة الرجل حرفا تامّا، ثم أضمروا لصنعت: {ما} كأنّه قال: بئسما ما صنعت، فهذا قوله وأنا لا أجيزه. فإذا جعلت: {نعم} صلة لما بمنزلة قولك كلما وإنما كانت بمنزلة حبّذا فرفعت بها الأسماء من ذلك قول اللّه عز وجل: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} رفعت: {هِيَ} ب: {نعما} ولا تأنيث في: {نعم} ولا تثنية إذا جعلت ما صلة لها فتصير ما مع نعم بمنزلة ذا من حبّذا ألا ترى أنّ حبذا لا يدخلها تأنيث ولا جمع. ولو جعلت ما على جهة الحشو كما تقول: عما قليل آتيك، جاز فيه التأنيث والجمع، فقلت: بئسما رجلين أنتما، وبئست ما جارية جاريتك. وسمعت العرب تقول في نعم المكتفية بما: بئسما تزويج ولا مهر، فيرفعون التزويج ب: {بِئْسَمَا}.
وقوله: {بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (90)}.
موضع: {أن} جزاء، وكان الكسائي يقول في: {أن} هي في موضع خفض، وإنما هي جزاء.
إذا كان الجزاء لم يقع عليه شيء قبله وكان ينوى بها الاستقبال كسرت: {إن} وجزمت بها فقلت: أكرمك إن تأتنى. فإن كانت ماضية قلت: أكرمك أن تأتينى. وأبين من ذلك أن تقول: أكرمك أن أتيتنى كذلك قال الشاعر:
أتجزع أن بان الخليط المودّع ** وحبل الصّفا من عزّة المتقطّع

يريد أتجزع بأن، أو لأن كان ذلك. ولو أراد الاستقبال ومحض الجزاء لكسر: {إن} وجزم بها، كقول اللّه جلّ ثناؤه: {فَلَعَلَّكَ باخِع نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا} فقرأها القرّاء بالكسر، ولو قرئت بفتح: {أن} على معنى إذ لم يؤمنوا ولأن لم يؤمنوا، ومن أن لم يؤمنوا لكان صوابا وتأويل: {أن} في موضع نصب، لأنها إنما كانت أداة بمنزلة: {إذ} فهى في موضع نصب إذا ألقيت الخافض وتمّ ما قبلها، فإذا جعلت لها الفعل أو أوقعته عليها أو أحدثت لها خافضا فهى في موضع ما يصيبها من الرفع والنصب والخفض.
وقوله: {فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ (89)}.
وقبلها: {وَلَمَّا} وليس للأولى جواب، فإن الأولى صار جوابها كأنه في الفاء التي في الثانية، وصارت {كَفَرُوا بِهِ} كافية من جوابهما جميعا. ومثله في الكلام:
ما هو إلّا أن أتانى عبد اللّه فلما قعد أوسعت له وأكرمته. ومثله قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ} في البقرة: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ} في [طه] اكتفى بجواب واحد لهما جميعا: {فَلا خَوْف عَلَيْهِمْ} في البقرة: {فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى} في [طه]. وصارت الفاء في قوله: {فَمَنْ تَبِعَ} كأنها جواب ل: {فإما} ألا ترى أنّ الواو لا تصلح في موضع الفاء، فذلك دليل على أن الفاء جواب وليست بنسق.
وقوله: {فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (88)} يقول القائل: هل كان لهم قليل من الإيمان أو كثير؟ ففيه وجهان من العربية: أحدهما- ألّا يكونوا آمنوا قليلا ولا كثيرا. ومثله مما تقوله العرب بالقلّة على أن ينفوا الفعل كلّه قولهم: قلّ ما رأيت مثل هذا قطّ. وحكى الكسائي عن العرب: مررت ببلاد قلّ ما تنبت إلّا البصل والكرّاث. أي ما تنبت إلّا هذين. وكذلك قول العرب: ما أكاد أبرح منزلى وليس يبرحه وقد يكون أن يبرحه قليلا. والوجه الآخر- أن يكونوا يصدقون بالشيء قليلا ويكفرون بما سواه: بالنبي صلى اللّه عليه وسلّم فيكونون كافرين وذلك أنه يقال: من خلقكم؟
ومن رزقكم؟ فيقولون: اللّه تبارك وتعالى، ويكفرون بما سواه: بالنبي صلى اللّه عليه وسلّم وبآيات اللّه، فذلك قوله: {فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ}. وكذلك قال المفسرون في قول اللّه: {وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} على هذا التفسير.
وقوله: {فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ (90)}.
لا يكون باؤ مفردة حتى توصل بالباء. فيقال: باء بإثم يبوء بوءا.
وقوله بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أن اللّه غضب على اليهود في قولهم: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَة غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}. ثم غضب عليهم في تكذيب محمد صلى اللّه عليه وسلّم حين دخل المدينة، فذلك قوله: {فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ}.
وقوله: {وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ (91)}.
يريد سواه، وذلك كثير في العربية أن يتكلّم الرجل بالكلام الحسن فيقول السّامع: ليس وراء هذا الكلام شيء، أي ليس عنده شيء سواه.
وقوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ (91)}.
يقول القائل: إنما: {تَقْتُلُونَ} للمستقبل فكيف قال: {مِنْ قَبْلُ}؟ ونحن لا نجيز في الكلام أنا أضربك أمس، وذلك جائز إذا أردت بتفعلون الماضي، ألا ترى أنّك تعنّف الرجل بما سلف من فعله فتقول: ويحك لم تكذب! لم تبغّض نفسك إلى الناس! ومثله قول اللّه: {وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ}.
ولم يقل ما تلت الشياطين، وذلك عربي كثير في الكلام أنشدنى بعض العرب:
إذا ما انتسبنا لم تلدنى لئيمة ** ولم تجدى من أن تقرّى بها بدّا

فالجزاء للمستقبل، والولادة كلها قد مضت، وذلك أن المعنى معروف ومثله في الكلام: إذا نظرت في سير عمر رحمه اللّه لم يسئ المعنى لم تجده أساء فلما كان أمر عمر لا يشك في مضيّه لم يقع في الوهم أنه مستقبل فلذلك صلحت: {مِنْ قَبْلُ}. مع قوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} وليس الذين خوطبوا بالقتل هم القتلة، إنما قتل الأنبياء أسلافهم الذين مضوا فتولّوهم على ذلك ورضوا به فنسب القتل إليهم.
وقوله: {سَمِعْنا وَعَصَيْنا (93)}.
معناه سمعنا قولك وعصينا أمرك.
وقوله: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ (93)}.
فإنه أراد: حبّ العجل، ومثل هذا مما تحذفه العرب كثير قال الله: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها} والمعنى سل أهل القرية وأهل العير وأنشدنى المفضّل:
حسبت بغام راحلتى عناقا ** وما هي ويب غيرك بالعناق

ومعناه: بغام عناق ومثله من كتاب اللّه: {وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} معناه واللّه أعلم: ولكنّ البرّ برّ من فعل هذه الأفاعيل التي وصف اللّه. والعرب قد تقول: إذا سرّك أن تنظر إلى السّخاء فانظر إلى هرم أو إلى حاتم.
وأنشدنى بعضهم:
يقولون جاهد يا جميل بغزوة ** وإنّ جهادا طيئ وقتالها

يجزئ ذكر الاسم من فعله إذا كان معروفا بسخاء أو شجاعة وأشباه ذلك.
وقوله: {قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ (94)}.
يقول: إن كانالأمر على ما تقولون من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهوديا أو نصرانيا {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} فأبوا، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال: «واللّه لا يقوله أحد إلا غصّ بريقه».
ثم إنه وصفهم فقال: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} معناه واللّه أعلم: وأحرص من الذين أشركوا على الحياة. ومثله أن تقول: هذا أسخى النّاس ومن هرم. لأن التأويل للأوّل هو أسخى من الناس ومن هرم ثمّ إنه وصف المجوس فقال: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} وذلك أن تحيتهم فيما بينهم: زه هزار سال. فهذا تفسيره: عش ألف سنة.
وأما قوله: {قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ} يعنى القرآن {عَلى قَلْبِكَ} هذا أمْرٌ أمَرَ اللّه به محمدا صلى اللّه عليه وسلّم فقال: قل لهم لما قالوا عدوّنا جبريل وأخبره اللّه بذلك، فقال: {قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ} يعنى قلب محمد صلى اللّه عليه وسلّم، فلو كان في هذا الموضع على قلبى وهو يعنى محمدا صلى اللّه عليه وسلّم لكان صوابا. ومثله في الكلام: لا تقل للقوم إن الخير عندى، وعندك أمّا عندك فجاز لأنه كالخطاب، وأمّا عندى فهو قول المتكلم بعينه. يأتى هذا من تأويل قوله: {سَتُغْلَبُونَ} و: {سَيَغْلِبُونَ} بالتاء والياء.
وقوله: {وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ (102)} كما تقول في ملك سليمان. تصلح في وعلى في مثل هذا الموضع تقول: أتيته في عهد سليمان وعلى عهده سواء.
وقوله: {وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ (102)}.
القرّاء يقرءون: {الْمَلَكَيْنِ} من الملائكة. وكان ابن عباس يقول:
{الْمَلَكَيْنِ} من الملوك.
وقوله: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ (102)}.
أما السّحر فمن عمل الشياطين، فيتعلمون من الملكين كلاما إذا قيل أخذ به الرجل عن امرأته. ثم قال: ومن قول الملكين إذا تعلّم منهما ذلك: لا تكفر.
{إِنَّما نَحْنُ فِتْنَة فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ} ليست بجواب لقوله: {وَما يُعَلِّمانِ} إنما هي مردودة على قوله: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فيتعلّمون ما يضرهم ولا ينفعهم} فهذا وجه. ويكون: {فَيَتَعَلَّمُونَ} متصلة بقوله: {إِنَّما نَحْنُ فِتْنَة} فيأبون فيتعلّمون ما يضرّهم، وكأنه أجود الوجهين في العربية. واللّه أعلم.
وقوله: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها (106)}.
{أو ننسئها} {أَوْ نُنْسِها} عامة القرّاء يجعلونه من النسيان، وفي قراءة عبد اللّه: {ما ننسك من آية أو ننسخها نجئ بمثلها أو خير منها} وفى قراءة سالم مولى أبى حذيفة: {ما ننسخ من آية أو ننسكها} فهذا يقوّى النّسيان.
والنّسخ أن يعمل بالآية ثم تنزل الأخرى فيعمل بها وتترك الأولى. والنّسيان هاهنا على وجهين: أحدهما- على الترك نتركها فلا ننسخها كما قال اللّه جل ذكره:
{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} يريد تركوه فتركهم. والوجه الآخر- من النّسيان الذي ينسى، كما قال اللّه: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ} وكان بعضهم يقرأ: {أو ننسأها} يهمز يريد نؤخرها من النّسيئة وكلّ حسن. حدثنا الفرّاء قال: وحدّثنى قيس عن هشام بن عروة بإسناد برفعه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه سمع رجلا يقرأ فقال: يرحم اللّه هذا، هذا أذكرنى آيات قد كنت أنسيتهنّ.
وقوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ (102)}.
من في موضع رفع وهى جزاء لأن العرب إذا أحدثت على الجزاء هذه اللام صيّروا فعله على جهة فعل. ولا يكادون يجعلونه على يفعل كراهة أن يحدث على الجزاء حادث وهو مجزوم ألا ترى أنهم يقولون: سل عمّا شئت، وتقول: لا آتيك ما عشت، ولا يقولون ما تعش لأن: {ما} في تأويل جزاء، وقد وقع ما قبلها عليها، فصرفوا الفعل إلى فعل لأن الحزم لا يستبين في فعل، فصيّروا حدوث اللام- وإن كانت لا تعرّب شيئا- كالذى يعرّب، ثم صيّروا جواب الجزاء بما تلقى به اليمين- يريد تستقبل به- إمّا بلام، وإما ب: {لا} وإما: {إن} وإمّا ب: {ما} فتقول في: {ما} لئن أتيتنى ما ذلك لك بضائع، وفى: {إن} لئن أتيتنى إنّ ذلك لمشكور لك- قال الفراء: لا يكتب لئن إلا بالياء ليفرق بينها وبين لأن- وفى: {لا} {لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ} وفي اللام: {وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ} وإنما صيّروا جواب الجزاء كجواب اليمين لأن اللام التي دخلت في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ} وفي قوله: {لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ} وفي قوله: {لَئِنْ أُخْرِجُوا} إنما هي لام اليمين كان موضعها في آخر الكلام فلمّا صارت في أوله صارت كاليمين، فلقيت بما يلقّى به اليمين، وإن أظهرت الفعل بعدها على يفعل جاز ذلك وجزمته فقلت: لئن تقم لا يقم إليك، وقال الشاعر:
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم ** ليعلم ربّى أنّ بيتي واسع

وأنشدنى بعض بني عقيل:
لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا ** أصم في نهار القيظ للشّمس باديا

وأركب حمارا بين سرج وفروة ** وأعر من الخاتام صغرى شماليا

فألقى جواب اليمين من الفعل، وكان الوجه في الكلام أن يقول: لئن كان كذا لآتينك، وتوهم إلغاء اللام كما قال الآخر:
فلا يدعنى قومى صريحا لحرّة ** لئن كنت مقتولا ويسلم عامر

فاللام في: {لئن} ملغاة، ولكنها كثرت في الكلام حتى صارت بمنزلة: {إن} ألا ترى أن الشاعر قد قال:
فلئن قوم أصابوا غرّة ** وأصبنا من زمان رققا

للقد كانوا لدى أزما ** ننا لصنيعين لبأس وتقى

فأدخل على لقد لا ما أخرى لكثرة ما تلزم العرب اللام في لقد حتى صارت كأنها منها. وأنشدنى بعض بنى أسد:
لددتهم النّصيحة كلّ لدّ ** فمجّوا النّصح ثم ثنوا فقاءوا

فلا واللّه لا يلفى لما بي ** ولا للمابهم أبدا دواء

ومثله قول الشاعر:
كما ما امرؤ في معشر غير رهطه ** ضعيف الكلام شخصه متضائل

قال: كما ثم زاد معها ما أخرى لكثرة كما في الكلام فصارت كأنها منها. وقال الأعشى:
لئن منيت بنا عن غبّ معركة ** لا تلفنا من دماء القوم ننتفل

فجزم لا تلفنا والوجه الرفع كما قال الله: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ} ولكنه لمّا جاء بعد حرف ينوى به الجزم صيّر جزما جوابا للمجزوم وهو في معنى رفع. وأنشدنى القاسم بن معن عن العرب:
حلفت له إن تدلج اللّيل لا يزل ** أمامك بيت من بيوتى سائر

والمعنى حلفت له لا يزال أمامك بيت، فلما جاء بعد المجزوم صيّر جوابا للجزم. ومثله في العربية: آتيك كى إن تحدّثنى بحديث أسمعه منك، فلما جاء بعد المجزوم جزم.
وقوله: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا (104)}.
هو من الإرعاء والمراعاة، وفى قراءة عبد اللّه: {لا تقولوا راعونا} وذلك أنها كلمة باليهودية شتم، فلمّا سمعت اليهود أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلّم يقولون: يا نبىّ اللّه راعنا، اغتنموها فقالوا: قد كنا نسبّه في أنفسنا فنحن الآن قد أمكننا أن نظهر له السّبّ، فجعلوا يقولون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم: راعنا، ويضحك بعضهم إلى بعض، ففطن لها رجل من الأنصار، فقال لهم: واللّه لا يتكلم بها رجل إلا ضربت عنقه، فأنزل اللّه: {لا تَقُولُوا راعِنا} ينهى المسلمين عنها إذ كانت سبّا عند اليهود. وقد قرأها الحسن البصرىّ: {لا تَقُولُوا راعِنا} بالتنوين، يقول:
لا تقولوا حمقا، وينصب بالقول كما تقول: قالوا خيرا وقالوا شرّا.
وقوله: {وَقُولُوا انْظُرْنا} أي انتظرنا. و{انْظُرْنا} أخّرنا، قال اللّه: {قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} يريد أخّرنى، وفى سورة الحديد: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} خفيفة الألف على معنى الانتظار. وقرأها حمزة الزيّات: {لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا} على معنى التأخير.
وقوله: {ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ (105)}.
معناه: ومن المشركين، ولو كانت: {المشركون} رفعا مردودة على: {الَّذِينَ كَفَرُوا} كان صوابا تريد ما يودّ الذين كفروا ولا المشركون، ومثلها في المائدة: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ} قرئت بالوجهين: والكفار، والكفار، وهى في قراءة عبد اللّه: {ومن الكفّار أولياء}. وكذلك قوله: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ} في موضع خفض على قوله: {مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ} ومن المشركين، ولو كانت رفعا كان صوابا تردّ على الذين كفروا.